أبو نصر الفارابي
4
الجمع بين رأيي الحكيمين
سقراط ( 469 - 399 ) : هذه الحركة السوفسطائية كانت خليقة ان تقضي على الفلسفة اليونانية ، ولكن جاء سقراط فوجه الفلسفة وجهة جديدة ، ونفخ فيها روحا منعشة فاستأنفت سيرها إلى الامام . ولد في اثينا سنة 469 ، وعلّم فيها . وقد اتخذ موقفا معارضا لموقف السوفسطائيين . وكان لبحثه مرحلتان تدعيان « التهكم والتوليد » . ففي الأولى كان يتصنع الجهل ، ويتظاهر بتسليم أقوال محدثيه ، ثم يلقي الأسئلة ويعرض الشكوك ، شأن من يطلب العلم والاستفادة ، بحيث ينتقل من أقوالهم إلى أقوال لازمة منها ولكنهم لا يسلمونها فيوقعهم في التناقض ويحملهم على الاقرار بالجهل . فالتهكم السقراطي هو السؤال مع تصنع الجهل أو تجاهل العالم . وغرضه تخليص العقول من العلم السوفسطائي اي الزائف ، واعدادها لقبول الحق . وينتقل إلى المرحلة الثانية ، فيساعد محدثيه بالأسئلة والاعتراضات مرتبة ترتيبا منطقيا للوصول إلى الحقيقة التي أقروا انهم يجهلونها ، فيصلون إليها وهم لا يشعرون ، ويحسبون انهم اكتشفوها بأنفسهم « 1 » . فالتوليد هو استخراج الحق من النفس . وكان سقراط يقول في هذا المعنى انه يحترف صناعة أمه - وكانت قابلة - الّا انه يولد نفوس الرجال . وكان في جدله يعني كل العناية بحد الالفاظ والمعاني الدائر عليها الحديث ، بخلاف السوفسطائيين الذين كانوا يعولون على اشتراك الالفاظ وابهام المعاني ويتحاشون الحد الذي يكشف المغالطة . وكان يستخدم الاستقراء ، فيتدرج من الجزئيات إلى الماهية المشتركة بينها ، ويحاول حد هذه الماهية . وتنحصر الفلسفة عنده في دائرة الاخلاق . وكان قد اتخذ شعارا كلمة قرأها في معبد دلفي ، هي : « اعرف نفسك بنفسك » ، فحول النظر من المسائل الطبيعية إلى النفس الانسانية . وتدور الاخلاق على ماهية الانسان ، وكان السوفسطائيون يدعون ان الطبيعة الانسانية شهوة وهوى ، ويرتبون على هذه القضية ان غاية الانسان اللذة . فقال سقراط
--> ( 1 ) بعض أمثلة على ذلك توجد في محاورات أفلاطون ( الجمهورية م 1 ، 337 ( 1 ) - تيتياتوس 149 / 152 ) .